الشهيد الثاني

362

روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج )

وذكاء المسك ، وسواد الحِبْر لمناسبة النجاسة تغليظ الحكم ، وهو الظاهر من كلامه في النهاية ( 1 ) . واعتبار الوسط بناءً على الأغلب . وهل تعتبر أوصاف الماء وسطاً لاختلافها في قبول التغيّر وعدمه ، كالعذوبة والملوحة ، والرقّة والغلظة ، والصفاء والكدورة ؟ فيه احتمال . وما اختاره الشهيد ( 2 ) رحمه اللَّه أوضح فتوًى وأسلم من تقدير ما ليس بموجود وترتّب الحكم عليه . واعلم أنّه يستفاد من الحصر المذكور عدم اشتراط الكُرّيّة في الجاري ، كما هو المشهور بين الأصحاب ، بل قال في الذكرى : لم أقف فيه على مخالف ممّن سلف ( 3 ) . وحجّتهم الأخبار عن أهل البيت عليهم السّلام برفع البأس عن ملاقاته للنجاسة من غير تقييد بالكُرّيّة ، كقول الصادق عليه السلام لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجاري ( 4 ) . ولأنّه قاهر للنجاسة غالب عليها لعدم استقرارها . ولأنّ تعليق الحكم على الوصف يُشعر بالعلَّيّة . ولأنّ الأصل الطهارة ، فنستصحب حتى تظهر دلالة تنافيه . وذهب المصنّف رحمه اللَّه في سائر كتبه ( 5 ) إلى اشتراطها فيه ، فلو كان دون الكُرّ ، نجس كالواقف بمجرّد ملاقاة النجاسة له مع تساوي سطوحه ، ومع اختلافها ما تحت النجاسة أيضاً دون ما فوقها ، محتجّاً بعموم الأدلَّة الدالَّة على اعتبار الكُرّيّة ، ولا معارض له ، فيجب التمسّك به . وأُجيب ( 6 ) : بتعارض العمومين ، والترجيح في جانب الشهرة لما ذُكر ، فيخصّ اعتبار الكُرّيّة بغير النابع . أقول : في حجّة المشهور نظر إذ لا دلالة في نفي البأس عن البول في الجاري على عدم انفعال القليل منه بالنجاسة بإحدى الدلالات . والاستدلال بعمومه لو سُلَّم فإنّما يدلّ على جواز تنجيسه مع قلَّته ، وهو غير المتنازع . ولمعارضته بقول عليّ عليه السّلام : « نهي أن يبول الرجل

--> ( 1 ) انظر : نهاية الإحكام 1 : 229 . ( 2 ) الذكرى 1 : 74 . ( 3 ) الذكرى 1 : 79 . ( 4 ) التهذيب 1 : 31 / 81 ، و 43 / 121 الاستبصار 1 : 13 / 23 . ( 5 ) تذكرة الفقهاء 1 : 17 ، الفرع الثاني قواعد الأحكام 1 : 4 نهاية الإحكام 1 : 228 و 229 . ( 6 ) المجيب هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1 : 111 .